أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

434

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والمعنى : كفاك وكفى تبّاعك المؤمنين ناصرا » . قال الشيخ : « وهذا مخالف لكلام سيبويه ، فإنه قال : « حسبك وزيدا درهم ، لما كان فيه معنى : كفاك ، وقبح أن يحملوه على الضمير دون الفعل ، كأنه قال : حسبك ويحسب أخاك » . ثم قال : وفي ذلك الفعل المضمر ضمير يعود على « الدرهم » ، والنية ب « الدرهم » التقديم ، فيكون من عطف الجمل . ولا يجوز أن يكون من باب الإعمال ، لأن طلب المبتدأ للخبر وعمله فيه ليس من قبيل طلب الفعل ، أو ما جرى مجراه ، ولا عمله ، فلا يتوهم ذلك فيه » . قلت : وقد سبق الزمخشري إلى كونه مفعولا معه الزجاج ، إلا أنه جعل « حسب » اسم فعل ، فإنه قال : « حسب : اسم فعل ، والكاف نصب ، والواو بمعنى مع » . وعلى هذا يكون « اللَّهُ » فاعلا ، وعلى هذا التقدير يجوز في « وَمَنِ » أن يكون معطوفا على الكاف ، لأنها مفعول باسم الفعل ، لا مجرور ، لأن اسم الفعل لا يضاف . ثم قال الشيخ : « إلا أن مذهب الزجاج خطأ ، لدخول العوامل على « حسب » ، نحو : « بحسبك درهم » ، وقال تعالى : فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ، ولم يثبت في موضع كونه اسم فعل ، فيحمل هذا عليه » . وقال ابن عطية - بعد ما حكى عن الشّعبيّ وابن زيد ما قدمته عنهما من المعنى - : « ف « مَنِ » في هذا التأويل في محل نصب ، عطفا على موضع الكاف ، لأن موضعها نصب على المعنى بيكفيك الذي سدّت « حسبك مسدّه » . قال الشيخ « 1 » : « وهذا ليس بجيد ، لأن « حَسْبُكَ » ليس مما تكون الكاف فيه في موضع نصب ، بل هذه إضافة صحيحة ، ليست من نصب . و « حَسْبُكَ » مبتدأ مضاف إلى الضمير ، وليس مصدرا ، ولا اسم فاعل ، إلّا إن قيل : إنّه عطف على التوهم كأنه توهم أنه قيل : يكفيك اللّه ، أو كفاك اللّه ، لكن العطف على التوهم لا ينقاس . والذي ينبغي أن يحمل عليه كلام الشّعبيّ وابن زيد أن تكون « من » مجرورة ب « حسب » محذوفة ، لدلالة « حَسْبُكَ » عليها ، كقوله : 2462 - أكلّ امرئ تحسبين امرأ * ونار توقّد باللّيل نارا « 2 » أي : وكل نار ، فلا يكون من العطف على الضمير المجرور » . قال ابن عطية : « وهذا الوجه من حذف المضاف مكروه بأنه ضرورة الشعر » . قال الشيخ « 3 » : وليس بمكروه ، « ولا ضرورة بل أجازه « 4 » سيبويه ، وخرّج عليه البيت ، وغيره من الكلام » . قلت : قوله : « بل هذه إضافة صحيحة ، ليست من نصب » فيه نظر ، لأن النحويين على أن إضافة « حسب » وأخواتها إضافة غير محضة ، وعللوا ذلك بأنها في قوة اسم فاعل ناصب لمفعول به ، فإنّ « حَسْبُكَ » بمعنى : كافيك ، و « غيرك » بمعنى : مغايرك ، و « قيد الأوابد » بمعنى : مقيدها . قالوا : ويدل على ذلك أنها توصف بها النكرات ، فيقال : مررت برجل حسبك من رجل وجوز أبو البقاء فيه الرفع من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه نسق على الجلالة كما تقدم ، إلا أنه قال : « فيكون خبرا آخر ، كقولك : القائمان زيد وعمر ، ولم يثنّ « حَسْبُكَ » ، لأنه مصدر . وقال قوم : « هذا ضعيف ، لأن الواو للجمع ، ولا يحسن ههنا ، كما لا يحسن في قولهم : « ما شاء اللّه وشئت » « 4 » ، و « ثمّ » هنا أولى » . قلت : يعني أنه من طريق الأدب لا يأتي بالواو التي تقتضي

--> ( 1 ) البحر المحيط ( 4 / 515 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر الكتاب ( 1 / 65 ) . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة في سننه ( 1 / 684 ) ، كتاب الكفارات باب ( 13 ) .